الشيخ عبد الغني النابلسي

85

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

كان وهو المسمى بالعالم ، فإن الإنسان الكبير كما سبق أو صغيرا وهو الإنسان الصغير وهو آدم وبنوه إلى يوم القيامة . ثم بيّن الذي ينسب إليه تعالى من كل شيء بقوله : ( من اسم ) كالقادر والخالق ( وصفة ) كالقدرة والتخليق وغير ذلك مما فصلناه في عقائد أهل البداية ( ما عدا الوجوب ) ، أي وجوب الوجود ( الذاتي ) ، أي الذي للّه تعالى من ذاته لا من غيره ( الخاص ) به تعالى ( فإن ذلك لا يصح في ) الإنسان ( الحادث ) أبدا ( وإن كان ) الإنسان الحادث ( واجب الوجود ) أيضا كما ذكرنا ( ولكن وجوبه ) ، أي وجوب وجوده ( بغيره لا بنفسه ) فهو من جهة كون الإنسان وجوده واجبا على صورة الواجب الوجود الذاتي ، ومن جهة كون وجوب وجوده بغيره ليس على صورته . واعلم أن هذا الاقتضاء الذي اقتضاه واجب الوجود الذاتي لهذا الإنسان الحادث الذي هو واجب الوجود بغيره ، إنما هو اقتضاء ذاتي كما ذكر ، والاقتضاء الذاتي هو طلب الذات حضورها عندها بطلبه هو عين ذاتها خارج عن أوصافها مثل اقتضائها لأوصافها ، فإن ذلك الاقتضاء ليس من جملة أوصافها بل هو ذاتها ، وإلا لكانت أوصافها حادثة لها ، لأنها مطلوبة لها حينئذ وليس كذلك بل هي قديمة أزلية . ثم إن هذا الاقتضاء الذاتي الذي هو طلب الذات حضورها عندها اقتضى انقسام الذات إلى طالب ومطلوب وحاضر ومحضور ، ولا شيء غير الذات المقدسة فانقسمت بالضرورة إلى طالب ومطلوب وحاضر ومحضور ، وكل أمرين متقابلين لا بد أن يكون بينهما أمر ثالث فاصل بينهما ليتميز كل أمر منهما عن الآخر ، فيتم ذلك الاقتضاء المذكور ، فظهرت الأوصاف الإلهية والأسماء الذاتية التي لا يبلغها العدّ والإحصاء من بين هذين الحضرتين القديمتين : حضرة الطالب وحضرة المطلوب ، والحاضر والمحضور ، فوصف بها الطالب باعتبار المطلوب ، ووصف بها المطلوب باعتبار الطالب فظهر المطلوب على صورة الطالب باعتبار اتصافه بهذه الأوصاف ، مع تباين الطالب والمطلوب بالنظر إلى ذات كل واحد منهما ، وإن كانا كلاهما ذاتا واحدة في الحقيقة ، ولكن أين الطالب من المطلوب ؟ وأين الفاعل من المفعول ؟ فإن الأوصاف التي هي البرزخ الفاصل بين الحضرتين وإن اتصف بها كل واحد من الطالب والمطلوب حتى كان كل واحد منهما على صورة الآخر ، ولكن هي منسوبة إلى من اتصف بها ، فحيث اتصف بها الطالب فهي أوصاف طالبية ، وحيث اتصف المطلوب فهي أوصاف مطلوبية ، وهي على كل حال صورة واحدة اقتضتها الذات الواحدة لحضرتيها المذكورتين . وهذا معنى اقتضاء واجب الوجود لذاته ، أن يكون هذا الإنسان الحادث على